 |
| محمد
العرعاري |
ثورة العالم
الإفتراضي وتحدي التجديد لدعاة الحداثة العربية
" قراءة سوسيولوجية"
لا شك أن ما يميز واقعنا اليوم
عن ما سبقته من عصور هو الثورة في
مجال الإتصالات والمواصلات التي يشهدها العالم حاليا، هذه الثورة
التكنولوجية ، أحدثت
طفرة نوعية في التواصل العالمي بين الأفراد والجماعات، بفضل عولمة الإنفجار المعلوماتي
، الذي ساهم في تقليص المسافات الدولية، وحطم
القيود الجغرافية بين المجتمعات، كما لو أن
العالم أضحى شبيها بقرية صغيرة يلجها الجميع، بدون جوازات سفر أو محطات للعبور كما جاء على ألسنة الكثير من الأكاديمين
والباحثين ، وأيضا كما تعرفه النقاشات العامة لنسيج المجتمع، الذين غزت التقنية حياتهم
على كافة مستوياتها وبكل أشكالها، بحيث أصبح من المستحيل الإكتفاء والإحتماء بثقافة
الإنغلاق على العالم،
وتعتبر حقبة بداية القرن العشرين
وخاصة خلال الفترة مابين الحربين العالميتين، المرحلة التي برز فيها
الإهتمام المتزايد لدارسي الوسائط ووسائل الدعاية الإعلامية، وظفتها الدول الغربية
في مسارها الإقتصادي، بفضل تقدم العلوم وتطورها، و ظهور أقسام جديدة في مجال الإتصال والدراسات الثقافية. وهو الأمر الذي دفع
كثير من صناع الرأي العام إلى صياغة أفكار جديدة تمحورت أغلبها حول مركزية السلطة الرابعة
في الحياة، نظرا لأهمية قوتها المجالية وتوفيرها
لفضاءات تسمح بفهم متغيرات كثيرة، تمس مختلف الجوانب السياسية والإقتصادية والثقافية
والإجتماعية والنفسية سواء كانت سلبية أو إيجابية، لجميع الشعوب و الجماعات ، وتختلف هذه القراءات حسب بعضهم
من أمثال، هاولد إينيس الذي كتب عن التحيز الإتصالات، ومرشان ماكلوهان الذي تحدث عن
القرية الكونية، وجاك جودي الذي تعقب ترويض العقل الهمجي من خلال الخطاب الذي يجري
في الإعلام الجديد وغيرهم ...
إن سنة التغيير موجودة في عمق
التشكل البشري، إنها فكرة علائقية في التفكير الإنساني لا يمكن إلغاؤها، لأنها حركة
دينامية مستمرة في الزمكان، وناظمة لحياة الإنسانية جميعها، لكون عقل الإنسان لا يمكن
أن تتوقف ديناميته الفكرية إلا بحتمية الموت
فقط.
وإنطلاقا مما سبق يمكن القول
أن الجوهر الذي يميز نوع البشري، هو كوننا لا نستطيع أن نكتفي بالحياة، ولا نستطيع
أن نواصل وجودنا كبشر بدون فاعلية روح التأثير والتأثر في مختلف أنماط علاقاتنا الإجتماعية.
هذه التفاعلات الإنسانية بين
دول البسيطة المتنوعة، وجدت العالم الإفتراضي موطنا يرحب بجميع الأجناس البشرية، من
الصغار والشباب، وجل شرائح النسيج المجتمعي، موطنا تتقاطعه أفكار الإستقطاب الإديولوجي،
وأحيانا خصومات متعارضة ومتشاطرة أحيانا أخرى، في أغلب العلاقات الإجتماعية و الأسرية
والإقتصادية والعاطفية، لغالبية الأنشطة التي يمارسها أفراد النسيج، محاولون بذلك
المساهمة في تحقيق التعايش الثقافي في مجتمع القارة الإفتراضية، واهمون بذلك كما يعتقد البعض أنها تخلق الإقتراب الزماني والمكاني
مع العالم الخارجي.
هذا المجتمع العالمي الجديد،
مكن النسيج الإلكتروني من دعم إبداعات التنمية التواصلية على كافة الأصعدة، وكرس ثقافة
جديدة،شعارها مجتمع يتعلم مدى الحياة، وأنشأ لنا عجزا واضحا يتمثل في نقل الموقف الفردي
المشحون بالميل الغريزي لعلاقات الكائن الرقمي،
في بعده الإجتماعي لشخصية الإنسان المعاصر.
وعموما فبغض النظر عن إيجابيات
وسلبيات هذه الفورة التقنية، فلا شك أنها أتاحت هامشا واسعا من سقف الحرية، في مواقع
التواصل الإجتماعي ،خاصة (الفيسبوك)ومشاركته في تطوير الوعي الثقافي والإجتماعي، الذي
إنعكس إيجابا، في تحريك رجات إجتماعية متابينة ، مكنت بقسط وافر في سقوط وتغيير الكثير
من أنظمة الدول والشعوب، معلنة رفضها للفساد والظلم والإستبداد ، ولعل إنتفاضات الربيع
العربي ليس عنا ببعيد، ويعتبر الإعلام الحديث
العامل الرئيسي من العوامل المؤثرة
في عملية التحول، بحيث يحتل مكانة متميزة،يتأثر بالسياسة ويؤثر فيها.
وعلى الرغم الكثير من الذي يمكن المؤاخذة عليه،بداية المسار الإحتجاجي، لأنها إنطلقت هذه الحركية بعفوية الشباب العربي، دون أن تمتلك مشروعا واضحا
لمستقبلها، ودون أن تعرف إلى أين ستصل؟ خاصة في ثورة البوعزيزي، ولربما باقي الإنتفاضات
الأخرى، أرض الكنانة وغيرها، وهو الشيء الذي أدى إلى النتائج المتحصلة اليوم،
وفيها ظلت فضائيات عربية (الجزيرة نموذجا)وغربية، مشتغلة بنقل الحدث المباشر ، وأعطت وجها معينا لرياح الربيع
العربي، وصنعت الرأي العام، ووجهته بطريقة التي تخدم أجندات وبرامج خلفياتها السياسية
والإديولوجية.
وبما أن هذا المقام لا يسمح بالحديث عن دواليب وخفايا طرق صناعة
الرأي العام، فسأكتفي في هذا الباب، بقراءة
سوسيولوجية لموضوع بئيس عرفته هذه الشعوب العربية
المنتفضة في ربيعها العربي، وفي الحقيقة هي إنتكاسة تاريخية سجلها العالم بأسره، للإتجاه
الإشتراكي ، له وزنه السياسي في هذه البلدان،
فلطالما ترددت كثيرا على مسامعنا مقولات كثيرة من السعي
للثورة و مكافحة الإظطهاد والظلم ، والتبجح والمغالات في الدفاع على الطبقات المقهورة،
والمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية، لكثير من الكتابات أهمها كتاب"الخطاب الفلسفي للحداثة"لهبرماس'وهي
مقولات ظلت تهيمن على الفضاء الثقافي العربي
لأكثر من نصف قرن، جربت فيها الأشكال والأنظمة وإنتقل فيها المثقف العربي من المعسكر
الاشتراكي إلى التيارات الليبرالية والديمقراطية مع سقوط الجدران الفاصلة سنة
1989.
وفي إطار السجال السياسي الدائر
حول أهمية الربيع العربي، وهل يمكن إعتباره ثورة تدفع الشعوب العربية إلى الأمام وتحقيق
مكتسباتها؟أم أنه مؤامرة غير محسوبة سينتج عنها النكوص والإرتكاس إلى الوراء؟ ماهي
الرهانات الأساسية المفترضة بعد الربيع العربي؟ هل الديمقراطية هي مطمح الشعوب العربية؟
أم أن بلداننا العربية لم يمكنها أن تتخلص من مظاهر الفساد والتحكم كونها تعودت
عليه؟وإذا كانت كذلك فلماذا تم إغتيالها من طرف بعض المدافعين عنها سلفا؟هل الأمر مرتبط
بشتاء سياسي ومخاض عسير تحولت فيه مختلف المواقف السياسية لتيارات اليسار؟ هل السياق
العام له كلفته السياسية من حيث الضغوطات الخارجية؟
وبأي مقاربة يمكننا فهم الذي حصل في زمن إخفاق هذا الإحتجاج المساهم لثقافة
إنتهازي الثورة المضادة المستبدة؟ وأخيرا إلى أي مدى عمل دعاة العلمانية في
إغتيال الحلم العربي المتمثل في الحرية؟
لكن قبل ذلك لابد نعطي تبسيط
لهذا الكيان السياسي، فلعل نشأة الحداثة ترجع إلى الدور الفاعل للمشروع الرأسمالي الليبرالي،الذي
أحدث تحولات بنيوية خلخلت معها الثوابت التقليدية،
وساهم في عقلنة الحياة اليومية، من خلال توظيف مقولات متعددة، أبرزها البيروقراطية،
التحديث، والعقلانية السياسية والإقتصادية والإجتماعية في صياغة القرارات الكبرى المنظمة
للدولة، ولا شك أن مبدأ الحرية يعتبر من المبادئ
الكونية التي لا يمكن التنازل عنه إطلاقا،
لأنه هو أساس نهضة الشعوب وتطورها، دون إلزامية
الفصل بين الدين والدولة، فماكس فيبر مثلا ، في كتابه(البروتستانتية وروح الرأسمالية)
أكد عن دور الدين في عقلنة السلوك الإجتماعي.
وقد يقول قائلا أنه حاق بنا أن
نكون فيما نحن فيه الآن،لأننا عندما تخلينا عن مواكبة العصر، وغرقنا في الماضي ونسينا
الحداثة، هي المعبر الوحيد لتقدم الحياة، والحداثة لا تنفي التراث حسب(المفكر
العربي) قاضي فاروق في كتابه"أفاق التمرد ,قراءة نقدية في التاريخ الأوربي والعربي
والإسلامي"بقدر الذي تستلهمه، معتبرا أن أمة بلا تراث بلا جذور، بقعة زيت فوق
ماء، تعتز الأمم بتراثها الفكري والأدبي والفني الخالد، مرجحا ذلك أن التراث يتمشى
مع التاريخ وطبائع الإنسان ومنطق العقل، ويلتقي بشكل طبيعي مع الحاضر، فيحين أن الحداثة
حسب روادها تستنطق الحاضر، في تطلعه للمستقبل الحاضر،متناسيين أن الزمن الجوهري الوحيد
الذي إنتهى إليه الماضي،هو الذي ينطق منه المستقبل. لكنها ترفض الرجوع إلى الماضي مهما
إختلف واقعه، وترفض إهدار الحديث عن السلف مهما صدق منطقه، ولا ريب أن الحداثة ليس
فكرا طارئا علينا ولا منهجا فرض نفسه في زماننا، لأنه منذ مطلع القرن 19م، حتى بداية
الربع الأخير منه،أخذ أبو التنوير الشيخ رفاعة الطهطاوي في تحديث المفاهيم الإسلامية
في كثير من الميادين، بحيث جعل العقل رائد تكريم الإنسان، الذي يميز بين القبيح والحسن،
مؤكدا قدرة الإنسان على معرفة الصواب والخطأ دون تبليغ.
ولا شك أن الحداثة حسبه أيضا
تستلزم أن يكون الإنسان سيد نفسه، العقل سيد فكره،في بلده سيد ذاته، غير تابع وغير
خاضع، فأين يمكن تحقيق الحداثة أو التحديث بناءا على هذه الشروط في أوطاننا المتخلفة،
التابعة في كثير من المستويات والتي تملى عليها
جل القرارات؟
إن المهم أن الحداثة لم تكن غريبة
عن حياتنا، بل الغريب ألا ندرك أهمية الزمن الذي نعيشه، والذي إنتهى فيه الماضي، حاضرنا
وراهننا، الملموس والمحسوس بكل مكوناته، وهو الأرضية التي ينطلق منها إلى المستقبل،
حداثة الإقتصاد، في السياسة ، وفي البناء الإجتماعي، وهو الذي يبني ضرورة تبني ما توصلنا
إليه، وما توصلت إليه المجتمعات الأخرى، بهدف إدراكها، حتى نساير الزمان.
وإذا كانت المبادئ التي تنطلق
منها الحداثة، تسعى إلى رقي الشعوب بما تحمله من غايات من حيث (الوسائل والإمكانيات)
تجعلها قادرة على
اللحاق بركب الدول المتقدمة، عن طريق تحريك عجلات قاطرة التنمية، فلا شك أن هذه العملية
تقتضي نوعا من الشفافية والوضوح في المواقف والسلوكات، وبناءا على ما عرفته دول رياح ربيعها، في مراحلها الأولى
وخاصة في مصر، من إختلافات في توجهات التيارات اليسارية والليبرالية، وتضارب مواقفها
بشأن آمال 25 يناير، وإعلان ردتها على إرادة الشعب المصري الذي إنتخب تيار إسلامي بإقتراعات
حرة ونزيهة لأول مرة في تاريخها، أطاحت بنظام عسكري فاسد، حكم مصر لسنوات طوال. ظهرت خلال هذه الفترة أراء
أخطأت موعدها مع التاريخ، بإعلان هذه التيارات التي تتبجح بالحداثة، لحركات تطالب بإسقاط
الحكومة المنتخبة شعبيا لثلاث مرات، والسير نحو ثورة جديدة تصحح مسار شرارتها، فكونت
جبهة الإنقاذ الوطني، ككيان رافض للإعلان الدستوري، تحالف فيها عما يزيد عن 30 حزب
مصري، أبرز ممثليه دعاة الحداثة والعلمانية، مثل حزب المصري الديمقراطي، بزعامة محمد
البرادعي، وعمرو موسى، وحمدين صباحي، وممثل حزب مصر القوية، بزعامة عبد المنعم أبو
الفتوح، وحزب التحالف الديمقراطي الثوري، الذي يضم 10 أحزاب، بإضافة إلى كثير من النقابات
الشعبية،وسرعان ما إستجاب العسكر لمطالب اللعبة السياسية المدروسة، ممهلا رئاسة الجمهورية
ساعات لتعلن لإنتخابات سابقة لأوانها، وهو ما رفضه الرئيس الشرعي محمد مرسي في خطابه
التاريخي،
لتنطلق حينها فاجعة الثورة المضادة لحركة التمرد التي تزعمها
أغلبها "العسكر بلباس مدني" وتم الإنقلاب العسكري المتكامل
الأركان، بمباركة الجار الجغرافي بنيامين
نتنياهو، هذا الإنقلاب العسكري الدموي خلف فواجع إنسانية كارثية، ذكرت العالم أجمع
بقيصرية سطالين القرن 21م، بإراقته لدماء لآلاف الشهداء في مجزرتي رابعة العدوية
والنهضة، كل هذا حدث أمام أعين العالم ودول العظمى ، التي لم تكلف عناء نفسها، بإتخاذ
مواقف جادة ومسسؤولة تجاه شهداء الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية، وحينها سقط قناع
دعاة العلمانية والحداثة، كونهم تخلصوا من شعاراتهم الفضفاضة، بمجرد الإقتراح
عليهم الحقائب الإنتهازية التي قبلوا بها،
وكادت البلاد أن تذهب إلى المجهول، لول
لطف الله، وبما أن الإستراتيجية كانت مدروسة في قمة الدقة ، سكتت جبهة إنقاذ وسكت معها
كل المتبجحون "نطالب بحرية كرامة عدالة إجتماعية"نظرا للمكانة التي تحظى
بها مصر في منطقة الشرق الأوسط، ودورها في النزاع الصهيوني و الفلسطيني، وعلاقته بصعود
حزب الحرية والعدالة ذوا التوجه الإسلامي، وبما أن مصالح الأمريكية في المنطقة أصبحت
مهددة في هذا السياق، كان لا بد من وضع خطة لهذه المسألة، كما هو الحال في تونس والإغتيالات
المتكررة التي شهدتها ، رغم كون حكومة
التونسية تشكلت من أحزاب مكونة "الترويكا"
بقيادة مستقل ذو توجه علماني، ذ، المنصف المرزوقي.
وبشكل عام فما يعاب على العلمانية العربية ، هو إنتهازيتها، التي شهدتها
مختلف الدول العربية، وعمرت فيها لسنوات طوال في الحكم والتحكم في مفاصل الدولة، بدون
فعالية حقيقية للتغيير على المستوى الإقتصادي
والإجتماعي والثقافي، بقدر الذي ساهمت من خلاله، في تعميق
الفساد والظلم ورعاية الإستبداد.
وبناءا عما سلف، فلا شك أن
منتميين ومنخرطين وحاملي هذا الإتجاه الراديكالي، أمامهم تحدي كبير، يتجلي في تجديد مقولاتهم
المذهبية، لكي ينسجموا مع منطق التاريخ، على الأقل في الوطن العربي. نظرا لما
يعتري الثقافة العربية من خصوصيات، تختلف جملة وتفصيلا عن الخصوصية الغربية، وإذا
سلمنا بدور الحداثة في تقدم الجماعات والشعوب، إلا أنها لا تستقل بذاتها بكونها
تبقى حتما تابعة مستهلكة لإنتاجات الحضارة الغربية، والحاجة ليس في
الإستهلاك، بل الغاية هي القدرة والتمكين
على إنتاج نموذج معرفي جديد، بمقاربات ومقولات حديثة، تتوافق على الأقل مع خصائص
الثقافة العربية، تكون بها قادرة على التمكين لنهضة متفردة على مستوى الإنتاج.
إن بعد كشف المحجوب عن
النوايا الحقيقية لدعاة العلمنة، وتم فضح هذا القناع بفعل الثورة التقنوية، فكل
محاولة لعلمنة طرائق تفكير العقل العربي، ستبوء بالفشل، لأن مناط الوجود يقتضي ليس
فقط تقليد المتقدم، بل البحث عن نموذج آخر مختلف عنه"لا يطغى في نظرية الغالب والمغلوب" التي أكدها
الفيلسوف العربي إبن خلدون، وليس الإمتداد فيه، عكس ما ذهب إليه البعض على
ضرورة الإحتذاء بالغرب كنموذج نهائي لحياة
الحضارة، متناسين بذلك الدور التاريخي الذي لعبه الغرب في هذه المجتمعات النامية.
وبما أن العلم يتطور
بإستمرار، فقد تجاوزت المعرفة الحالية الأفكار التقليدية، لمفهوم العلمانية، وأصبح الحديث عن ما بعد الحداثة. إن فكر ما بعد الحداثة، يأتي تحديدا
حسب قاضي فاروق، ليتحدى هذا المنطق الثقافي للحداثة، ليوفر على هذا الصعيد، مصادر
ذات أهمية بالنسبة لأولئك الذين يكافحون تحدي الأطروحات الحداثية، القائمة على
الأنظمة الأبوية والكولونيالية، والعنصرية، ففي سياق نظريات ما بعد الحداثة، التي
تفسر بآلياتها، الواقع الهجن والغموض الذي يميز ثقافة مجتمعاتنا، وأشكال شعورنا
بالإنتماء، متحدية بذلك الثنائي القائم على الذات والأخر، وخاصة بشأن وجود هويات
إجتماعية متشظية، وهنا تكمن الحساسية النقدية لثقافة الحمولة العلمانية.
ولا شك أن الحداثة الغربية
وعدت بالخلاص النهائي لكهنوت الكنسي
المسيحي، وفصلت روح عصرين، عصر اللاهوت وعصر الملاحدة، في موسوعية الفكر المدرسي
وكل ما يتعلق بالنشاط البشري، من خلال إستثمار قدر الأرض خدمة لمنافع صالح المجتمع، وحاولت أن تفهمنا أن الإنسان و العالم مكتفي بنفسه وبالعالم، وأقرت في وجدانه أن العالم
وحده هو مصدر العلم والمعرفة، وأن وسيلة العلم هو الحس والعقل، ولا سلطان على
العقل إلا بالعقل، أي أنها فصلت عرى الأرض عن السماء، وجعلته متشيئا في علاقته بما ورائيات والمفارق الغيبي . وهو ما
دفع كثير من الفلاسفة الغربيين للتخوف من وقائع أنفسهم، وفي هذا الباب سنكتفي بذكر
البعض منهم، يقول فريدريك نيتشه "ستفرز لنا هذه الأفكار وهذه الثقافة، (أي
ثقافة الغربية)إنسانا يفقد نجمه من فوقه، يسير ولا يدري إلى أين يتوجه،يكتفي
بذاته،ذات بعد واحد، لا يعرف شيئا خارج نطاقه" وهو ما يبرز حجم مسرحية العبث
واللامعقول للإنسان الغربي المعاصر المهترئ"، وهو ما أكده أيضا ثيوراز
الفيلسوف الفرنسي صاحب قولة عن باريس إنها الماخور الكبير، يقول"كنت أتنبأ
متصلبا بقناعات منذ أمد طويل، أن هذا الإنسان سيتلاشى"ليعود فيما بعد في
أواخر حياته مؤكدا على تغيير قناعاته بالقول
"وجب فعلا على هذا الإنسان أن يتلاشى، لأنه إنسان بئيس". وهو تبيان حصري
لحالة ما وصل إليه الإنسان الآلي، الذي فقد إنسانيته، التي أصبح يوظف فيها الإنسان
الغربي اللواط مشروعا إنتخابيا. !!!!
ويتحدثون عن هذه الحقوق، أي
حقوق الإنسان، هي حقوق الإنسان الغربي، ولا مكان لإنسان دول النامية نصيب فيها، وإن كانت فهي بدرجة أقل، وفق ما
تراه الدول العظمى مصلحة لها في هذه الدول، لأنه قبل الحديث عن مسعى الإنسان في
الترقي بحياته في الديمقراطية، فلا بد من شرط الحرية حسب د، عدنان ابراهيم، لأننا
لنا نحتاج الديمقراطية كأولوية؟ غير صحيح،
نحن نحتاج للحرية، والتخلص من العنف
الرمزي بتعبير بيير بورديو، حرية تتحرر فيه إنسانية المواطن العربي من المؤسسات
المهيمنة، يكون له أراء تحترم وذات قيمة يأخذ بها، بهدف تحقيق شروط ديمقراطية حقيقية، وفي هذا السياق لقد تساءل أفلاطون في بداية الفكر الفلسفي، ما الإستبداد؟ مجيبا على أنه هو
ديمقراطية العبيد...
يقول صاحب كتاب نهاية
التاريخ "فوكوياما" لا بد لرقمنة الإنسان المعاصر عن طريق تعميم
الأنموذج الحداثي على المستوى العالمي، ونرى أنه قد قبلت الكثير من الحضارات بهذه
الحداثة، لكن حسبه لا زال إتجاه يعاكس هذه
المبتغى 'الإنساني' هو حالة الإستعصاء الإسلامي، لروح هذه الحداثة، التي في لبها
العلمانية،"ما لله لله وما للقيصر" أي حصر أصحاب الإتجاه الديني وعملها
في الزوايا فقط، وتفريغ الدين من كل قيمه ، وما يحمله من مقاصد إنسانية راشدة
ومسؤولة على كافة المستويات. لأنه لا يمكن أن يقبل أي حزب سياسي أو حركة إسلامية بهذا
الوسخ الغربي للمثليين واللواط والسحاق وغيرها، وحق لنا هنا أن نتساءل هل النموذج الغربي الذي يلهجون بها صباح
مساءا دعاة العلمنة، هل هو نموذج نهائي
حتمي تاريخي؟ أم أن التحدي الحالي أمام العالم الإسلامي هو ضرورة تأسيس نموذج
جديدة يوافق الفطرة والتصور؟ ويمشي أيضا مع روح العالم بالسماحة والرحمانية على
كافة المستويات، الإقتصادية والإجتماعية
والسياسية والثقافية؟ تصور يصير فيه الإنسان عبدا لله وليس عبدا لشهواته ورغباته
التي تهدد الأمن العالمي بإستمرار؟ ألا يمكن لنا أن نؤسس ونولد نمودجا جديدا يوافق حداثة التصنيع وتقنيته وفق
قواعد عادلة تتماشى مع فطرة الإنسان التي فطره الله عليها؟
وفي حوار بين فيلسوف فرنسي
ومتروحن الهندي، قال له لقد وصلنا بفعل الحداثة إلى تفجير الذرة، ووصلنا للقمر
وحققنا التطور والتقدم والإزدهار ، قال له نعم الصحيح، لكنكم لم تستطيعوا
أن تتمشوا بعد كبشر في الأرض.
وفي هذا صدد يقول المفكر المغربي"سعيد بنسعيد العلوي"إن
الدول الغربية التي إستعمرت الدول المتخلفة خلال القرن الماضي، إستنزفت ما مكنها من
الإستقواء و التقدم لمدة قرنين متتاليين،
و الآن أوشكت هذه الإمكانات على النفاذ، و لقد ساهمت هذه الفترة بوعي الإنسان
النامي، وهو الأمر الذي يمهد في ظل مؤشرات قوية لقيام نهضة عربية جديدة، بفعل
التحولات التي عرفتها دولنا، والحاجة كل الحاجة إلى العقلنة والحداثة وفصل الدين
عن السياسة"
وإذا كان التقليديون يقلدون المتقدمين، فإن الحداثيين
يقلدون المتأخرون، بل إن تقليد الحداثيين يبدو أشنع من تقليد التراثيين، لأن الحداثة
والتقليد، حسب تعريفهم، ضدان لا يجتمعان، في حين أن التراث والتقليد، بموجب تقريرهم،
صنوان لا يفترقان.
وهو ما يؤكده الفيلسوف المغربي
طه عبد الرحمان في كتابه"روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية"الذي يسعى من خلاله إلى أن يبصر الحداثيين بما هم فيه
من تقليد مطبق، لفتح فضاء الإبداع، وذلك عن طريق التفريق بين "روح الحداثة"
التي ينبغي حفظها و"واقع الحداثة" الذي يمكن تركه إلى واقع غيره لا يقل عنه
حداثة، بهدف أن يخرج التراثيين بدورهم مما
هم فيه من تقليد معيق، لفتح لهم فضاء الاجتهاد، وذلك عن طريق تطبيق روح الحداثة على
مقتضى التداول الإسلامي، وقد اختار لهذا التطبيق نماذج متميزة، مبيناً كيف أن هذه الروح
يمكن أن تنفذ إلى المجتمع الإسلامي كما نفذت من قبل في المجتمع الغربي، بل كيف أن هذا
التطبيق الإسلامي يسمو بروح الحداثة بما لا يسمو بها تطبيقها الغربي، إذ يكون محفوظاً
من الآفات الأخلاقية، ومتسعاً لتجليات إنسانية لهذه الروح. قصد بناء لبنات الحداثة الإسلامية التي تبقى هي الرهان المستقبلي.
فهل سيستطيعوا دعاة العلمنة
أن يجددوا منهاجهم وجهازهم المعرفي، للتوافق مع الحداثة الفطرية التي تريدها الشعوب العربية؟
بقلم
:
محمد العرعاري طالب جامعي بشعبة
السوسيولوجييا بجامعة ابن طفيل
للتعليق على الموضوع [ 0 ]
إرسال تعليق